في ذكرى إيريك ويدمر، المدير المؤسس
د. إيريك ويدمر (١٦/١/١٩٤٠ – ١٨/١/٢٠٢٥)

د. إيريك ويدمر، القائد البارز في التعليم العالمي والمؤرخ والمواطن حسن السيرة في العالم، توفي في منزله في سيمسبري في ولاية كونيتيكت، في حرم مدرسة إيثل ووكر حيث تعمل زوجته د. ميرا فيسواناثان كمديرة للمدرسة، بعد عام من المعاناة مع مرض السرطان، محاطاً بأفراد عائلته. وقد تم الاحتفاء به لعلمه الواسع وقيادته الحكيمة وإنسانيته الدائمة.
ينحدر إيريك من سلالة طويلة من المعلمين الذين تميزوا بتأسيس معاهد حول العالم. حيث أسس جده الأكبر سيروس هاملين كلية روبرت في القسطنطينية أو ما يُعرف حالياً بإسطنبول في سنة ١٨٦٣، بمباركة السلطان العثماني. وكانت الكلية الأمريكية الأولى خارج حدود الولايات المتحدة الأمريكية، ولعبت دوراً مهماً في تركيا والشعوب المجاورة من خلال تعليم أجيال من رؤساء الوزارات، ووزراء الخارجية، والكتّاب المتميزين، وبناة الأمم. كما قام أبناء هاملين وأحفاده بالتعليم فيما كان يسمى آنذاك بالشرق الأدنى. أسست والدة إيريك، كارولين لاد ويدمر، برنامج الصحة العامة لمؤسسة روكفلر في بوغوتا، كولومبيا، قامت بعدها بتأسيس كلية التمريض في الجامعة الأمريكية في بيروت، حيث قابلت واقترنت بروبرت جين رينيه ويدمر، الذي ترأس قسم الفرنسي في الجامعة الأمريكية في بيروت.
لقد كان للحرب العالمية الثانية دور دراماتيكي في تشكيل مستقبل إيريك. لقد ترعرع فرنسياً أو حتى لبنانياً وقيل إن الكلمات الأولى التي وقعت على مسامعه كانت باللغة العربية على لسان ممرضة. لكن في عام ١٩٤٠، ومع تهديد الألمان للشرق الأوسط، قامت والدته بإحضار طفليها الصغار إلى الولايات المتحدة الأمريكية (بقي والده وانضم إلى الفرنسيين الأحرار في مواجهتهم للألمان في شمال أفريقيا). عاش في ستورز في ولاية كونيتيكت، حيث أسست والدته كلية التمريض في جامعة كونيتيكت، فأصبحت العميدة الأولى للكلية.
بدأ تعليم إيريك يزدهر في عام ١٩٥٣ في أكاديمية ديرفيلد، حيث برز كطالب ورياضي مميز. وفي كلية ويليامز، حيث كان نجماً في رياضة الركض للخلف ورياضة لاكروس، إضافة إلى كونه رئيساً للصف والأخوية، وأيضاً في جامعة هارفارد حيث حصل على درجة الدكتوراة في التاريخ ولغات الشرق الأقصى كجزء من مجموعة، تحت إشراف الأستاذ المتميز جون كينغ فيربانك. والتحق بعد ذلك بهيئة التدريس في جامعة براون حيث قام بتدريس التاريخ الصيني وتاريخ آسيا الداخلي، مع نشر جامعة هارفرد لدراسة له بعنوان "البعثة الكنسية الروسية في بكينغ خلال القرن الثامن عشر"، وهو عمل لا يزال يُطالع هذا اليوم من قِبل المؤرخين من حول العالم ضمن الدوائر الدبلوماسية. وعمل في جامعة براون في عدد من المناصب الأكاديمية والإدارية على مدى خمسة وعشرين عاماً، بما فيها سنوات عديدة كعميد لحياة الطالب ومن ثم عميد القبول والمنح الدراسية. كما كانت جامعة براون المكان الذي التقى فيه زوجته ميرا والتي كانت عضو هيئة تدريسية في الأدب المقارن ودراسات شرق آسيا.
وبعد عمله في جامعة براون كأستاذ وعميد، كان له شرف ترأس منصب مدير الجامعة الخامس والأربعين في مدرسته الآم، أكاديمية ديرفيلد، في الأعوام بين ١٩٩١ و٢٠٠٦، وهو الخريج الأول الذي يحظى بهذا المنصب، حيث كان يُعرف بالسيد ويدمر أو بمختصر "ذا ويد"، في إشارة إلى مدير أكاديمية ديرفيلد الأسطوري د. فرانك بويدن، الذي كان يُعرف بين الطلبة باسم "كويد". حرص إيريك على تكريس تقاليد ديرفيلد مع استمرارها بالريادة في العالم المعاصر، حيث أسس دار نشر ديرفيلد، وضمان وجهات نظر عالمية في مدرسته الأم من خلال الإضافة إلى المناهج الدراسية، والمحاضرات، وتعيين أعضاء الهيئة التدريسية الزوار، وتوفير فرص للطلبة والهيئة التدريسية تمكنهم من التواصل مع نظرائهم في جميع أنحاء العالم، من خلال منظمات مختلفة مثل "راوند سكوير" و"جلوبال كونيكشنز".
وبينما كان ذلك بالنسبة للكثيرين بمثابة ذروة مسيرتهم المهنية، طلب جلالة الملك عبدالله الثاني من إيريك أن يكون المدير المؤسس لكينغز أكاديمي التي تعد اليوم مدرسة داخلية ونهارية بارزة على المستوى الدولي، تقع في مادبا، الأردن. إضافة لذلك، كان عضواً في العديد من مجالس الإدارة حول العالم، بما فيها كلية روبرت في إسطنبول، تركيا، ومدرسة المجتمع الأمريكي في بيروت، لبنان و ASSIST، وغلوبال كونيكشنز، وكنيسة كينغستون التجمعية في كينغستون، رود آيلاند.

قد تكون كلمته المفضلة هي "الاعتزاز"، ذلك الشعور بامتلاك أشياء عزيزة على القلب. اعتز د. إيريك في المقام الأول بعائلته وأصدقائه وطلبته ومؤسساته التعليمية ومثله النبيلة. كما حرص عل حفظ اسم كل طالب في المدارس التي كان مديراً لها، وأدرك أهمية ملاحظة هوية كل شخص والاحتفاء بها. كان التعبير عن الامتنان سمة مميزة في حياته، وكان يستمتع بتقديم الشكر لمن حوله على كل ما يساهمون في تحقيقه. أجيال من الطلبة من حول العالم تشهد بأثره الإيجابي على حياتهم الأكاديمية والشخصية.
كان تدريب فرق كرة القدم للأولاد متعة يومية بالنسبة له، والاستمتاع بتناول وجبة في قاعة طعام المدرسة، وقراءة مقالات ابنه "تيد" في الصحف، ومشاهدة الفعاليات الرياضية سواء عبر التلفاز أو من خلال الجلوس في المدرجات. كان إيريك راوياً موهوباً وعازف مزمار خشبي علم نفسه بنفسه، وعبر إيريك عن حبه وانخراطه في العالم من حوله من خلال اللغة والموسيقى، وكانت حياته بمثابة ترنيمة لموسيقى الكون.
لقد أحب وبشكل خاص منزلاً يزيد عمر بنائه عن ثلاثمائة وخمسين عاماً في ماتونوك، والذي كان يشاركه مع ميرا، وأتاح له فرصاً لا حصر لها للعب بالسيارات وممارسة تقليد أصوات الطيور وقراءة الكتب وبناء نماذج القطارات، ولعب مسابقة التهجئة أو لعبة الخلط، ومشاهدة حلقات من “Gunsmoke”، حيث انتصرت فضائل حسن الجوار والشجاعة والشرف التقليدية على الشر والأنانية، ليلة بعد ليلة. في الواقع، تلك الفضائل لم تكن تقليدية أبداً، بالنسبة له، ظلت معياراً أساسياً ومقياساً للحياة الطيبة. كانت ماتونوك مكاناً تجد فيه وجبات رائعة يتم طهيها في المنزل، أو مكان في نهاية الشارع يشعرك وكأنك في البيت، مطعم كابتن جاك.
تراوحت اهتماماته على نطاق واسع من التعليم إلى ألعاب القوى واللغات ورواية النكات والموسيقى الكلاسيكية والكتابة في مجالات مختلفة في التاريخ والمذكرات وكتابة الأغاني المدرسية والأغاني القصيرة، وكان كل ذلك مشبعاً بذكائه وإحساسه الساخر. تضمنت "تأسيس كينغز أكاديمي: مذكرات أردنية" و"رعاية حياة: ذكرى كارولين لاد ويدمر، ١٩٠٢-١٩٩١". كانت نصائحه الدائمة للطلبة هي تلك التي سمعها في ديرفيلد من مدير المدرسة آنذاك فرانك بويدن، الذي لطالما ذكّر الطلبة بأن "يكونوا جديرين بإرثهم"، وأن "ينجزوا بقوة". وهكذا كان إيريك، وهكذا فعل.
وقد ترك خلفه زوجته ميرا وزوجته السابقة د. إلين ويدمر، أستاذة مايلينغ سونغ للدراسات الصينية في كلية ويسلي، وشقيقه مايكل وزوجته جين، وأبناءه الأعزاء تيد، ومات وشريكته ليزا ميلز، إضافة إلى حفيده فريدي.
عوضاً عن الزهور، يمكن تقديم التبرعات باسم إيريك لصندوق غصن الزيتون لدعم المنح الدراسية التي تقدمها كينغز أكاديمي للطلبة الفلسطينيين من غزة.
في ١ آذار ٢٠٢٥، أقيم حفل تأبين في كنيسة كينغستون التجمعية في كينغستون، رود آيلاند، كذلك حفل للاحتفاء بذكرى إيريك في مدرسة إيثل ووكر في نيسان، وفي كينغز أكاديمي في أيار، وفي حزيران في أكاديمية ديرفيلد، حيث تمكنت هذه المجتمعات من تكريم ذكراه وإنجازاته العديدة.
